السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
157
مفاتيح الأصول
أو جمعا فلا يمكن التفصيل بين المفرد والجمع وقد ثبت أن الجمع للعموم فيكون المفرد كذلك وفيه نظر لوجود القول بالفصل وهو للمعظم ومنها أن ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فإذا قيل أكرم العالم فهم أن السّبب في الإكرام وصف العلم وهو عام فيجب عموم الحكم في كلّ من تحقق فيه الوصف وإلَّا لزم وجود العلَّة بدون المعلول وفيه نظر من وجوه عديدة والمسألة لا تخلو عن إشكال ولكن القول الأول هو المعتمد وينبغي التّنبيه على أمرين الأوّل اعلم أن المفرد المعرف باللام وإن لم يكن موضوعا للعموم الاستغراقي ولكنه قد يفيده كما في قوله تعالى أحلّ اللَّه البيع وحرّم الرّبا وقد يفيد العموم البدلي كما في قوله آتني بالرجل وسيأتي تحقيق هذا في بحث المطلق إن شاء اللَّه تعالى الثّاني اعلم أنّه حكي عن بعض الأصوليّين القول بكون أل الدّاخلة على المفرد مشتركة بين الجنس والاستغراق والعهد وهو قول ضعيف بل التحقيق أنها موضوعة للإشارة إلى الجنس للتبادر عند الإطلاق فيجب حملها عليه مجرّدا عن القرينة وإن احتمل كونها للعهد لأن الأصل وجوب حمل اللفظ على معناه الحقيقي حتى يثبت الصّارف ومجرّد احتماله لا ينفع وأما على القول بالاشتراك فيجب التوقف والرّجوع إلى ما يقتضيه الأصول العقلية ويظهر من الشهيد الثّاني وصاحب الوافية أن الأصل وجوب الحمل على العهد حيثما يحتمل كما في قوله تعالى فعصى فرعون الرسول وعزاه الثاني إلى الأكثر واحتجّ عليه الأول بأصالة براءة الذّمة عن الزائد وبأن تقدم المعهود قرينة على العهد وفي كلتا الحجّتين نظر أمّا الأوّل فلأن أصالة البراءة لا تقتضي الحمل على العهد والحكم بأن المتكلم قصد العهد لأن أمثال هذه الأصول لا ربط لها بدلالة اللَّفظ ولعلَّه أراد بالحمل العمل مسامحة ولكن هذا أيضا غير متّجه لعدم جريان الأصل المذكور في جميع الصّور بل يجب في بعضها التّمسك بقاعدة الاحتياط كما لا يخفى وأمّا الثاني فللمنع من كون مجرّد تقدم ما يصلح للعهد قرينة على العهديّة فتأمل مفتاح نفي المساواة بين الرّجلين والشّيئين أو الأشياء بقوله لا يستوي أو لا يستوون هل يفيد العموم ويكون موضوعا له فيكون قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون مفيدا له لأصالة عدم اشتراك المؤمن والفاسق في الأحكام أو لا يفيد ذلك ويكون غايته نفي المساواة من جهة ما وفي الجملة فيكون مجملا اختلف الأصوليّون في ذلك على قولين الأول أنّه لا يفيد ذلك وهو للمحقّق في المعارج والمحكي عن العلامة وأبي حنيفة والرّازي الثاني أنّه يفيده وهو للآمدي والحاجبي والعضدي وحكاه العلامة والسيّد عميد الدّين عن أكثر فقهاء الشافعية والآمدي عن أصحابه القائلين بالعموم للأوّلين وجوه منها أن الاستواء في الإثبات يفيد إثبات الاستواء من كلّ وجه فإذا قيل زيد وعمرو يستويان أفاد ثبوت تساويهما من كلّ جهة فيجب أن يكون الاستواء في النّفي غير مفيد لنفي الاستواء من كلّ جهة أما المقدمة الأولى فلوجوه الأول أنّه لو لم يكن مفيدا لإثبات الاستواء من كلّ وجه لكان مجملا لعدم الدلالة على جهة خاصّة بعينها والتالي باطل لأنّ الأصل عدم الإجمال فالمقدم مثله الثاني أنّه لو لم يفد ذلك وكان مفاده إثبات المساواة في الجملة للزم أن لا يستقيم الإخبار بالمساواة بين شيئين كذلك لأن المساواة بوجه ما لا تختص بهما بل كلّ شيئين كذلك إذ ما من شيئين إلَّا ويستويان في صدق الشّيئية وفي سلب ما عداها عنهما وإذا لم تختص وكان عمومها لكلّ شيئين معلوما لم يكن كلاما مفيدا فائدة جديدة وكان كقولنا السماء فوقنا والأرض تحتنا الثالث أنّه لو لم يفد ذلك للزم أن يصدق على المتناقضين أنّهما متساويان وهو باطل الرّابع أنه لو لم يفد ذلك للزم أن لا يصدق نفي الاستواء مطلقا ويكون كذبا دائما لما تقدّم وهو باطل وأما المقدّمة الثانية فلما ذكره جماعة من أن نقيض الإيجاب الكلَّي السّلب الجزئي مضافا إلى الاتفاق على ذلك وقد اعتمد على هذا الوجه المحقق في المعارج ومنها أن نفي الاستواء يستعمل تارة ويراد به نفي الاستواء من جهة خاصّة وأخرى ويراد به نفيه من جميع الوجوه فيجب أن يكون حقيقة في القدر المشترك واللَّفظ الدّال على القدر المشترك لا يدلّ على شيء من أفراده بشيء من الدلالات فلا يكون اللَّفظ المذكور دالا على العموم ومنها أن نفى الاستواء تارة يفيد بجهة خاصّة وأخرى بجميع الجهات فيجب أن يكون حقيقة في القدر المشترك لأصالة عدم التّأكيد والتجوّز والاشتراك فلا يكون ظاهرا في العموم لما تقدم ومنها أنّه لا يصحّ سلب نفي الاستواء عن نفي الاستواء من جهة فلا يقال لم ينف الاستواء وعدم صحّة السّلب دليل الحقيقة فلا يكون ظاهرا في نفي الاستواء من كلّ جهة ومنها أن نفي الاستواء لو كان موضوعا لنفيه من كلّ جهة لكان من اللفظ الموضوع لشيء لم يصح استعماله فيه عقلا على وجه الصّدق لأن نفي الاستواء من كلّ جهة محال عقلا